الثلاثاء، 22 يونيو 2010

تقرير رسمي يوصي بتعزيز الالتزام السياسي تجاه قضايا السكان

حذر تقرير رسمي حديث من أثر الزيادة السكانية على معدل النمو الاقتصادي। وقال إنه في ظل أعباء الإعالة المرتفعة لصغار السن ، كبار السن وأعباء إعالة الفئات النشطة اقتصاديا نفسها والتي تزيد في إجماليها عن 400 بالمائة، كل ذلك ينعكس سلباً على إمكانية تحسين حياة الأفراد والأسر والمجتمع ولن يحقق النمو المرجو لزيادة الاستثمار في الجوانب الإنتاجية الأساسية في ظل منافسة عالمية كبيرة।وأشار تقرير "المشكلة السكانية والتنمية في اليمن" الصادر عن لجنة الصحة والسكان بمجلس الشورى في مايو الماضي، إلى أن عدد سكان اليمن تضاعف خمس مرات خلال أربعة وخمسين عاماً ليرتفع من 4,3 مليون نسمة عام 1950 إلى 19,7 مليون عام 2004، فيما سجل معدل الزيادة الطبيعية ارتفاعاً كبيراً من 1,8 عام 1975 إلى 3,7 عام 1994.واستعرض التقرير في قسمين رئيسين الوضع الحالي للسكان وتقديراته المستقبلية، وأثر مستوى الخصوبة على بعض قطاعات التنمية، وخلص بعدد من التوصيات بالإضافة إلى عرضه لملحق الإسلام وتنظيم الأسرة، مبينا أن معدل وفيات الأطفال الرضع في اليمن من المعدلات العالية جداً مقارنة بدول أخرى حيث بلغ حوالي 69,2 حالة وفاة لكل ألف مولود حي في السنة، بالمقابل لا يزيد هذا المعدل عن 18,9 حالة وفاة لكل ألف في السنة في سورية و36,9 حالة وفاة في مصر وفي السودان حوالي 72.6 وقد ينخفض إلى أقل من عشر حالات وفاة لكل ألف مولود حي في الدول المتقدمة. وأرجع ذلك لعدة أسباب بحسب الدراسات والأبحاث العلمية، أهمها: نمط الولادات السائدة في المجتمع، المستوى الثقافي والتعليمي للأم حيث ينخفض لدى الأمهات المتعلمات ويرتفع لدى الأمهات الأميات وكذلك يرتفع في أوساط الأسر الفقيرة وفي المجتمعات التي لا تتوفر لديها الخدمات الأساسية وبالذات الصحية.فيما يبلغ معدل الوفاة بين الأطفال تحت سن الخامسة 95 حالة وفاة لكل ألف مولود حي، مقارنة بـ42 و21,5 حالة على التوالي في مصر وسورية، كمحصلة للعديد من العوامل الاقتصادية والاجتماعية والصحية والتعليمية في اليمن، وهو ما يحتاج إلى بذل جهود اكبر لتحسين الظروف الصحية والمعيشية لهذه الفئة السكانية.

ارتفاع معدل الخصوبة
في حين يصل معدل وفيات الأمهات الذي يمثل مؤشراً هاماً إلى الاهتمام بصحة الأم 365 حالة وفاة أم لكل مائة ألف مولود حي في اليمن، بينما نجدها في مصر 84 حالة وفاة وفي سورية 160 حالة وفاة। وأرجع ذلك بحسب الدراسات والأبحاث في اليمن كغيره من المجتمعات إلى عدة أسباب: صحية واجتماعية وثقافية واقتصادية، وارتفاع متوسط عدد المواليد الذين تنجبهم المرأة خلال فترة حياتها الإنجابية (15-49 سنة)، والأمهات اللائي ينجبن في سن مبكرة قبل بلوغهن 18 سنة، أو في سن متأخرة بعد 35 سنة، بالإضافة إلى عدم توفر الخدمات الصحية وبالذات خدمات الصحة الإنجابية।وأشار التقرير إلى الارتفاع المسجل في معدل الخصوبة الكلية وهو متوسط عدد الأطفال الذي يمكن أن تنجبه المرأة خلال فترة حياتها الإنجابية، ما بين 15-49 سنة، لافتا إلى أن معدل الخصوبة في اليمن من المعدلات العالية إن لم يكن الأعلى على مستوى دول المنطقة بل ودول العالم، حيث بلغ 6 مواليد بالمتوسط للمرأة في اليمن، مقابل 3,2 مولود في مصر، 3,5 مولود في سورية، 4,8 مولود في السودان، منوها بانخفاض الوعي الصحي لدى الأزواج وضعف الاهتمام بالصحة الإنجابية بما في ذلك تدني نسبة النساء اللاتي يستخدمن وسائل تنظيم الأسرة।

توقعات ارتفاع السكان
وأورد التقرير تقديراته بشأن الاتجاهات المتوقعة لتطور حجم السكان حتى عام 2035، وآثاره المتوقعة على أهم قطاعات التنمية، حيث توقع أن يصل عدد السكان إلى 61 مليون نسمة بحلول عام 2035، في حال ثبات معدل الخصوبة على ما هي حاليا، ويمكن أن يصل إلى 43 مليون نسمة طبقاً لافتراض انخفاض الخصوبة। أما البديل المتوسط والمتمثل في انخفاض الخصوبة إلى 3।3 مولودا عام 2025 وثبات هذا المعدل حتى نهاية الفترة 2035 فسوف يصل عدد السكان إلى 46 مليون نسمة।وتتبع التقرير أثر الزيادة السكانية على معدل النمو الاقتصادي، وعلى إمكانية تحسين حياة الفرد والأسرة والمجتمع، مستعرضاً في هذا السياق عدداً من النماذج التي يقاس بها تأثير الزيادة السكانية على القطاعات المختلفة، ومنها القوى العاملة، وإعالة الأطفال، والوظائف الجديدة، ونصيب الفرد من الناتج المحلي الإجمالي، مؤكدا الواقع الاقتصادي المتدني والمتأثر بحجم السكان والزيادات السنوية المطردة، وحجم التحدي الحالي والتحديات المستقبلية التي ستواجه أبناءنا مما يحتم علينا ضرورة تبني وتحقيق سياسة اقتصادية سكانية فاعله لمواجهة هذه التحديات؛ لأننا وفي أحسن الظروف سنظل في أسفل الركب قياساً بكثير من دول العالم ودول المنطقة فعلى الجميع أن يتكاتف في إيجاد حلول سريعة وناجحة لحل الإشكالات القائمة والمتوقعة وخاصة أن قضية السكان هي قضية حياة ومصير، موضحا أن متوسط نصيب الفرد سنويا في اليمن بلغ 631 دولاراً طبقاً لبيانات 2006 مقابل 1085 دولاراً في مصر، 1293 دولاراً في سورية، 594 دولاراً في السودان। فالزيادة السكانية العالية تؤثر سلباً على متوسط الدخل في أي مجتمع وخاصة إذا كان معدل النمو الاقتصادي منخفضا أو متواضعا وهذا يزيد من نسبة انتشار الفقر ويؤدي إلى انعكاسات سلبية في مجالات الحياة المختلفة (صحة، تعليم، ومعيشةً)।

تأثير الزيادة السكانية
وبيّن التقرير تأثير الزيادة السكانية على قطاعات التعليم، والصحة، والموارد الطبيعية، لافتا إلى أن السكان مصدر الموارد البشرية في أي مجتمع، والتعليم هو الأداة الرئيسية في تحويل هذه الموارد إلى قوى فاعلة تخدم عملية التنمية الشاملة، وبدونه تصبح هذه الموارد عبئاً وليس مورداً للتنمية।ويعد اليمن من بين الدول ذات المستوى المنخفض في أداء التنمية البشرية وتسلسله 149 من بين 169 بلداً كما أنها في عدم المساواة في النوع الاجتماعي تعتبر متدنية، حيث صنف اليمن في المركز 121 من بين 140 بلداً، موضحا أنه برغم أن اليمن حقق خلال العقود الأربعة الماضية نجاحات متعددة في المجال التعليمي في مختلف المراحل التعليمية، لاسيـما فيما يتعلق بالمؤشرات التعليمية في التعليم الأساسي والتي تتمثل في ارتفاع معدلات الالتحاق وانخفاض معدلات الأمية وانخفاض معدلات التسرب وزيادة عدد المدارس والفصول الدراسية وانتشارها، وقد رافق ذلك زيادة القوى البشرية العاملة في التعليم وتنوع اختصاصاتها؛ إلا أنه وبناء على توقعات معدلات الزيادة وفقا للبدائل الآنفة الذكر سيكلف البلد مليارات الدولارات لمواجهتها في ظل ارتفاع معدل الإنفاق الجاري حاليا والذي يعتبر من أكثر التحديات المالية تثبيطا للهمم بالنسبة لليمن.

طبيب لكل 3548 ألف نسمة
وأكد التقرير عدم وجود عدالة في توزيع الموارد البشرية وعدم دقة المعلومات المتوفرة، وأن البيانات الخاصة لعام 2008 أظهرت أن هناك طبيبا واحدا لكل 3548 ألف نسمة، وبناء عليه فإن على المجتمع زيادة عدد الأطباء إلى ما يزيد عن 6 آلاف طبيب وطبيبة عام 2008 ليصل العدد إلى 17,3 ألف طبيب وطبيبة عام 2035 في إطار بديل ثبات الخصوبة وإلى 12,8 ألف طبيب وطبيبة في إطار بديل خفض الخصوبة.
إن النمو السكاني المتزايد يؤدي إلى زيادة الضغط والطلب على الموارد الطبيعية التي يحتاجها الإنسان كالغذاء والماء والكهرباء، الأمر الذي ينتج عنه اختلال بين ما هو متاح ومحدود، وما هو مطلوب وكبير، وهذا التحدي ينعكس على تلبية احتياجات السكان الآنية والمستقبلية، لافتا أن الزيادة السكانية تعني انخفاض حصة الفرد من موارد الأرض والماء والكهرباء والخدمات الأساسية الأخرى، معتبرا أن التحدي في قطاع المياه من التحديات الكبيرة التي يواجهها اليمن حالياً وسيعيشها مستقبلاً إذا لم تبذل الجهود لمواجهتها وتحسينها والارتقاء بمستوى الاحتياج للماء أسوةً بالدول العربية التي يصل فيها نصيب الفرد إلى ما يزيد عن 1250 مترا مكعبا سنوياً وإلى 7500 متر مكعب عالمياً، في حين لا يتعدى نصيب الفرد في اليمن حالياً 120 مترا مكعبا سنوياً، وسوف ينخفض هذا المعدل ليصل إلى 44 مترا مكعبا سنوياً بحلول عام 2035 في حالة ثبات الخصوبة (البديل الأول) وطبقاً لبديل الأمم المتحدة يمكن أن يرتفع نصيب الفرد إلى 61,8 مترا مكعبا 3 وإلى 66,4 مترا مكعبا طبقاً لبديل الخصوبة المنخفض (البديل الثالث) إذا ما تبنت الحكومة سياسة سكانية ومائية صائبة في ظل قلة الموارد المائية وقلة مخزونها الباطني وتناقص كمية المياه المتجددة سنوياً وتنامي الطلب عليها، فإن اليمن سيواجه تحدياً صعباً للإيفاء بمتطلبات السكان المتنامية، الأمر الذي يستدعي زيادة الاهتمام والسعي لاستغلال كل الإمكانيات المتاحة للحفاظ على المخزون الباطني وتنميته واتباع الطرق العلمية لترشيد استخدامه والاستفادة من مياه الإمطار وحجزها لتوفير المياه للأجيال القادمة وزيادة حصة الفرد أسوةً بدول العالم العربي والعالمي.

الشريعة الإسلامية
وبين التقرير دور الشريعة الإسلامية في تنظيم حياة البشر، وقال إنها تناولت بدقة ووضوح مختلف جوانب المشكلة السكانية والعلاقة بين الرجل والمرأة وحاجة كل منهما للآخر بتنسيق وانسجام في الوجود الإنساني، وأوضحت مكانة المرأة وما لها من أهمية كبيرة في بناء المجتمع، وأن قضايا الزواج وأحكام الأسرة وتنظيمها أفاضت فيها الشريعة عن طريق آراء وفتاوى العلماء والفقهاء والخطباء، مدللا على ذلك بقوله تعالى: {فاسئلوا أهل الذكر إن كنتم لا تعلمون) صدق الله العظيم। وخلص التقرير في هذا السياق إلى عدد من النتائج أبرزها: يرجع تحديد الوسائل المنظمة للحمل والمأمونة لما يقرره الأطباء بما لا يؤثر على حياة المرأة ولا يلبس عليها في عبادتها وأن تتحرى وسائل الإعلام الدقة في التعبير عن هذا الموضوع حتى لا تخلط بين ما يجوز وما لا يجوز منها، وأن تتحرى الاختيار السليم للعلماء بما يتناسب مع الدين ومصلحة الناس والسياسة التنموية للدولة، وأن على الخطباء والمرشدين الوعاظ عند طرحهم القضية أن يغلبوا جانب العقل والنقل وما أفتى به العلماء المعتبرون من دون الاحتكام للعواطف والاستسلام للإشاعات، وضرورة إيضاح موقف الشريعة من القضايا السكانية والصحة الإنجابية للمستهدفين سواءً كانوا قادة في المجتمع أو خطباء ومرشدين أو جمهوراً عاماً حتى يرتفع الحرج ويطمئن الناس إلى إن الدين إنما يهدف لما يصلح لحياة الناس ويرفع عنهم العسر والحرج والمشقة وإن كل ما يخالف الدين الإسلامي لا ترضاه الدولة ولا تتبناه السياسة السكانية।

توصيات
وأوصى التقرير بأهمية تعزيز الالتزام السياسي تجاه قضايا السكان، وإدماج القضايا السكانية في خطط التنمية والخطط المحلية، وتعزيز الشراكة والتعاون مع الجهات الدولية والمحلية، وحشد الموارد السكانية للقضايا السكانية والعمل السكاني وزيادة المخصصات والاعتمادات الحكومية وتوفيرها على المستوى المركزي والمحافظات بما لا يقل عن 50 بالمائة من الجانب الحكومي كحد أدنى للمشاركة لتشجيع العمل الخارجي على المساهمة।كما أوصى برفع القدرات المؤسسية والفنية للأمانة العامة للمجلس الوطني للسكان، ولجان تنسيق الأنشطة السكانية بالمحافظات مع رفع المخصصات المالية والخاصة بأنشطة الأمانة، رفع الوعي بالقضايا السكانية من خلال تكثيف البرامج والأنشطة التوعوية على مختلف الأصعدة، وتعزيز وتحديث خدمات الصحة الإنجابية وتنظيم الأسرة وخدمات الطوارئ وتفعيل ومراقبة تنفيذ قرار الولادة المجانية، ومراجعة وتطوير وتحديث المناهج التعليمية لإدماج القضايا السكانية والصحة الإنجابية في مناهج التعليم العام والجامعي والفني , وتوفير الإمكانات الفنية والمالية اللازمة وخاصة تدريب الموجهين والمدرسين فيما يخص المضامين السكانية والمناهج।
(السياسية) ـ غمدان الدقيمي:

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق